ابن كثير
331
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 23 إلى 25 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 23 ) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ( 24 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 25 ) يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله موسى عليه السلام أنه آتاه الكتاب ، وهو التوراة ، وقوله تعالى : فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ قال قتادة : يعني به ليلة الإسراء ، ثم روي عن أبي العالية الرياحي قال : حدثني ابن عم نبيكم ، يعني ابن عباس ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أريت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة ، ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض ، سبط الرأس ، ورأيت مالكا خازن النار والدجال » في آيات أراهن اللّه إياه فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ أنه قد رأى موسى ولقي موسى ليلة أسري به . وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا الحسن بن علي الحلواني ، حدثنا روح بن عبادة . حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي العالية ، عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ قال : جعل موسى هدى لبني إسرائيل ، وفي قوله فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ قال : من لقاء موسى ربه عز وجل . وقوله تعالى : وَجَعَلْناهُ أي الكتاب الذي آتيناه هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ كما قال تعالى في سورة الإسراء وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [ الإسراء : 2 ] . وقوله : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ أي لما كانوا صابرين على أوامر اللّه ، وترك زواجره ، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوهم به ، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر اللّه ، ويدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ثم لما بدلوا وحرفوا وأولوا ، سلبوا ذلك المقام ، وصارت قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ، فلا عملا صالحا ولا اعتقادا صحيحا ، ولهذا قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ قال قتادة وسفيان : لما صبروا عن الدنيا وكذلك قال الحسن بن صالح قال سفيان : هكذا كان هؤلاء ، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماما يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا قال وكيع : قال سفيان : لا بد للدين من العلم ، كما لا بد للجسد من الخبز . وقال ابن بنت الشافعي : قرأ أبي على عمي أو عمي على أبي : سئل سفيان عن قول علي رضي اللّه عنه : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ألم تسمع قوله وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا قال : لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤساء . قال بعض العلماء : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ولهذا قال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ